أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
319
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« هذا شعر لا يعرف قائله ، ولا هو بشيء . ولو قاله شاعر مذكور لقيل له : أخطأت ، لأن الشاعر يجوز أن يخطئ ، وهذا مذهب لا يعرج عليه » . قلت : قد تقدم أن تسكين هاء الكناية لغة ثابتة ، وتقدم شواهدها فلا حاجة إلى إعادة ذلك . وقوله : « وَأَخاهُ » الأحسن أن يكون نسقا على الهاء في « أَرْجِهْ » ، ويضعف نصبه على المعية ، النسق من غير ضعف لفظي ، ولا معنوي . قوله : « فِي الْمَدائِنِ » متعلق ب « أَرْسِلْ » و « حاشِرِينَ » مفعول به ، ومفعول « حاشِرِينَ » محذوف ، أي : حاشرين السحرة ، بدليل ما بعده . و « الْمَدائِنِ » : جمع مدينة ، وفيها ثلاثة أقوال ، أحدها - وهو الصحيح - : أن وزنها فعيلة فميمها أصلية ، وياؤها زائدة ، مشتقة من : مدن يمدن مدونا ، أي : أقام ، واستدل لهذا القول بإطباق القراء على همز « مدائن » ، ك صحيفة وصحائف ، وسفينة وسفائن ، ولو كانت مفعلة لم تهمز ، نحو : معيشة ومعايش ، ولأنهم جمعوها أيضا على « مدن » ، كقولهم : سفينة وسفن ، وصحيفة وصحف . قال الشيخ : « ويقطع بأنها فعيلة جمعهم لها على فعل ، قالوا : مدن ، كما قالوا : صحف في صحيفة » . قلت : قد قال الزجاجيّ : المدن في الحقيقة : جمع المدين ، لأن المدينة لا تجمع على مدن ، ولكن تجمع على المداين ، ومثل هذا سفن ، كأنهم جمعوا سفينة على سفين ، ثم جمعوه على سفن » . ولا أدري ما حمله على جعل مدن جمع مدين ، ومدين جمع مدينة ، مع إطراد فعل في فعيلة لا بمعنى مفعولة ، اللهم إلا أن يكون قد لحظ في مدينة أنها فعلية ، لا بمعنى مفعول ، لأن معنى مدينة أن يمدن فيها ، أي : يقام ، ويؤيد هذا ما سيأتي من أن مدينة وزنها في الأصل : مديونة عند بعضهم . القول الثاني : أن وزنها مفعلة من : دانه يدينه ، أي : ساسه يسوسه ، فمعنى مدينة ، أي : مملوكة ومسوسة أي : مسوس أهلها من دانهم ملكهم إذا ساسهم . وكان ينبغي أن يجمع على مداين بصريح الياء ك معايش في مشهور لغة العرب . الثالث : أن وزنها مفعولة ، وهو مذهب أبي العباس ، قال : « هي من دانه يدينه : إذا ملكه وقهره » . وإذا كان أصلها : مديونة ، فأعلت كما يعل « مبيع » اسم مفعول من البيع ، ثم يجري الخلاف في المحذوف ، هل هو الياء الأصلية أو الواو الزائدة ؟ الأول : قول الأخفش ، والثاني : قول المازني ، وهو مذهب جماهير النحاة . والمدينة معروفة ، وهي البقعة المسورة المستولي عليها ملك . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 112 إلى 121 ] يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 112 ) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 113 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 114 ) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ( 115 ) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ( 116 ) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 117 ) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 118 ) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ( 119 ) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 120 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 121 ) قوله : بِكُلِّ ساحِرٍ . قرأ الأخوان هنا وفي يونس « سحّار والباقون « ساحِرٍ » . ف « سحار » للمبالغة ، و « ساحِرٍ » يحتملها ، ولا خلاف في التي في الشعراء أنها « سَحَّارٍ » مثال مبالغة . قوله : قالُوا : إِنَّ لَنا .